المقريزي

108

المقفى الكبير

وقد أخذت صحبتك أيضا جملة مماليك ، وليس لك بهم حاجة ، ولا بشيء من المال المذكور . فترسل جميع ما تسلّمته من المال الذي بالكرك وجميع المماليك ، وتخلّي منهم عشرة مماليك برسم الخدمة . وترسل أيضا الخيول التي أخذتها معك . ومتى لم ترسل ذلك ، جرّدنا إليك عسكرا بعد عسكر ، إلى أن نخرّب الكرك - وبعث الكتاب مع الأمير علاء الدين مغلطاي أيتغلي . فلمّا قرأ الكتاب جمع من عنده واستشارهم فيما يفعل إلى أن اقتضى رأيه إخماد الشرّ . وكتب إلى بيبرس : إنّي ما قصدت أن أقيم بهذا المكان إلّا أن أعيش باقي عمري في أيّامك . وأنت الذي ربّيتني ، وما أعرف أبا لي غيرك . والذي أنا فيه ، فمنك وعلى يديك . والقدر الذي أخذته وتناولته من الكرك ، فأنت تعلم أنّه لا بدّ [ منه ] على كلفة ونفقة . وقد امتثلت المرسوم [ الشريف ] وأرسلت نصف المبلغ الذي تأخّر عندي امتثالا لأمرك . وأمّا الخيل فبعضها مات ، وما بقي لي شيء أركبه إلّا قليلا منها . وأمّا المماليك فما عندي إلّا من اختار أن يقيم معي ، وهو منقطع العلائق من الأهل والولد . فكيف يحلّ أن أخرجهم . وما بقي لي إلّا إحسان مولانا السلطان . وكتب أوّل الكتاب : المملوك محمد بن قلاوون يقبّل الأرض ، وتحت [ ه ] : السيّد الملكيّ المظفّري . ودفعه إلى أيتغلي وأعطاه مبلغ مائتي ألف درهم . فقنع المظفّر بها وسكت قليلا . ثم أعاده إليه ليحضر الخيل بأسمائها والمماليك بأسمائها ، وجنف « 1 » في القول عليه وأغلظ في مخاطبته وحمّل الرسول مشافهة قبيحة . فلمّا بلّغها لم يطق الناصر الصبر ، واشتدّ غضبه وقال : أنا تركت ملك مصر والشام لبيبرس ، وما يكفيه حتى ضاقت عينه على فرس عندي أو مملوك لي ، حتى أرسل يطلبه ويكرّر الطلب ! ارجع إليه وقل له عنّي : واللّه لئن لم تتركني في هذه القلعة وإلّا سرت إلى بلاد التتار ، وأعلمتهم بحالي . فلم يلاطفه أيتغلي بل جافاه في القول حتى أغضبه ، وأمر بقتله وأن يطرح من أعلى القلعة إلى الخندق . فتناولته أيدي المماليك وأقاموه وسبّوه ولعنوه ، ولم يبق إلّا أن يلقى من شارف القلعة . فشفع فيه خواصّ السلطان ، فعفا [ 97 أ ] عنه وحبسه . وأخذ في إجالة الرأي مع خواصّه إلى أن عزم على مكاتبة النوّاب والأمراء . وكان عند قدومه الكرك قد أخذ رجل بها طالع وقت دخوله ، فاقتضى من حيث معرفة الفلك أنّه سيعود للملك . وجهر بذلك حتى بلغ السلطان . فبعث إليه وصار يجتمع به كثيرا ويفاوضه في هذا ونحوه . وحضر إليه رجل يضرب بالرمل ، وأخبره أنّه لا يقيم بالكرك إلّا دون السنة ، ويعود إلى مصر سلطانا ، ويكون على يده عجائب ، ويقتل أناسا كثيرة . وأحضر إليه رجل ملحمة تتضمّن أسماء من يملك من الأتراك ، وأنّه آخر من يملك من أولاد قلاوون ، وفيه صفته وجميع ما وقع له . وأنّه يعود إلى الملك ويظفر بأعدائه ، وتطول مدّته . فتعلّقت نفسه بالعود إلى الملك ، إلى أن أغضبه أيتغلي فتحرّك منه ما كان ساكنا . وكتب إلى نائب حلب ، ونائب حماة ، ونائب طرابلس ، ونائب صفد ، وإلى أمراء مصر ، يعرّفهم ما كان فيه من ضيق اليد وقلّة الحرمة ، وأنّه لأجل ذلك ترك ملك مصر ، وقنع بالكرك ليستريح ، وأنّ السلطان الملك المظفّر في كلّ وقت يرسل يطالبني بالمال ، ثمّ بالخيل ، ثمّ بالمماليك . وما منكم إلّا من هو مملوك أبي ، وربّاني . فإمّا أن تردّوه عنّي ، وإمّا أن أخرج إلى بلاد التتار فأقيم بينهم حتى أموت .

--> ( 1 ) جنف بوزن ضرب : حاد عن الصواب .